سلسلة رؤية
هذه مجموعة مقالات للكاتب سلمان عز الدين
جمعت هذه المقالات في ايميل واحد لانه لايوجد معجبين كثر لهكذا نوعية ويتسنى لهم حذف الايميل
بينما للهواة يمكنهم الاحتفاظ به للعودة وقرائته
النصف الفارغ .. النصف الممتلىء ..!
سلمان عز الديني
سألني السيد رئيس التحرير بود وإنما بصرامة :
( لماذا لا تكتب إلا عن الأشياء السلبية .. وكأنك لا ترى إلا السواد ...)
ولإنني خجول ومصاب بالشعور المزمن بالذنب , فقد ارتبكت وكدت أن أعتذر , غير إنني ما إن خرجت من مكتبه , حتى استعدت شجاعتي وهذا أمر يحدث لي فقط خارج مكاتب رؤسائي .. ثم تذكرت حكايتي الطويلة مع الحكمة الأزلية والمرشحة لأن تكون أبدية :
( عليك ان ترى النصف الممتلىء من الكأس )
لطالما أُلقيت هذه الحكمة على مسامعي , ولطالما حاولت أن أؤمن بها ولكن دون جدوى . حسناً لنستبعد البعد الرمزي لهذه العبارة وندقق فيها حرفياً :
تخيلوا أن تدخلوا إلى بيت رجلٍ فيصب لكم نصف كأس من الشاي . بالتأكيد ستعتقدون انكم امام واحدٍ من اثنين : إما فقير للغاية أو بخيل للغاية , وفي كلتا الحالتين لن يستحق مديحكم .
في الحالة الأولى ستشفقون عليه , وربما تنبهوه الى حالته المزرية , وفي الحالة الثانية ستدينون تقتيره بلا رحمة ...
لا أعرف لماذا علي أن أشكر وزارة الثقافة لإنها تصدر كتباً , ومديرية المسارح لإنها تقدم بضعة عروض مسرحية , ومؤسسة السينما لإنها تنتج فيلماً كل عام أو عامين , واتحاد الكتاب لإن موظفيه ( وبينهم أعضاء مكتبه التنفيذي ) يداومون خلف مكاتبهم , والمراكز الثقافية لأنها تفتح أبوابها من الثامنة صباحاً وحتى الثانية ظهراً ..
هذا هو النصف الممتلىء من الكأس , أما النصف الفارغ فهو ان هذه الكتب لا يقرؤها أحد , وهذه العروض تنتمي الى المسرح على سبيل المجاز لا أكثر , وهذه الأفلام لا يستسيغها سوى مخرجيها .
موظفو الاتحاد يستثمرون أوقات فراغهم المديدة بلعب دور الرقباء وعلى طريقة محاكم التفتيش , ومسؤولو المراكز الثقافية يقتلهم الضجر لإن أحداً لا يزورهم حتى للسلام عليهم ...
الآن .. احكموا بأنفسكم : إلى أي من النصفين علي أن أنظر ..?
في سابقة طريفة اتصل أحد المسؤولين بصحفي مشاكس وسأله :
( لماذا تصر على النعيب مثل الغراب ..?)
أجاب الصحفي :( حافظوا علينا نحن الغربان لأننا على الأقل - نذكركم بأن الخلود وهم وبأن الموت حقيقة مؤكدة )!
أجل .. حافظوا علينا نحن (الساخطين ) , لا لنذكركم بأن الكمال وهم , بل أكثر من ذلك : لنذكركم بأنكم لم تخطوا بعد على طريق الكمال ..
-------------------------------------------------
النقد البناء
سلمان عز الديني
من بين الأشكال السائدة للنقد, ثمة شكل هو الأكثر بساطة, والأكثر خطورة في الوقت نفسه:
ذلك النقد الذي يتوجه أساساً إلى المقولة, ويقصر عنايته على تحديد الأهداف, واستنباط الرسالة..في الأعمال الأدبية والفنية.. المطروحة, دون الالتفات إلى الأدوات والشروط الفنية, التقنيات, الأسلوب, اللغة..
وبما أن كل المبدعين- على ما اعتقد- يرمون في نتاجاتهم إلى أهداف نبيلة, ويطرحون مقولات هامة (أو على الأقل مشروعة), ويملكون رسائل سامية من نوع ما, فهم جميعاً يتساوون أمام هذا النوع من النقد, على اختلاف مستوياتهم, وتباين صياغاتهم ووسائلهم.. ألا يملك جميع كتاب القصة القصيرة جداً (ق.ق.ج) في سورية هذه المقولات والرسائل والمغازي العظيمة نفسها..?!
ألا يعرفون في (كبسولاتهم القصصية) مظاهر الفساد والزيف والتخلف, ويناصرون قيم الحق والعدل والجمال..? إذن فقصصهم تملك الأهمية ذاتها التي تملكها قصص تشيخوف ويوسف إدريس وزكريا تامر..
وكذلك تلك الروائية التي تنتج رواية كل ثلاثة أشهر دون أن تتقن صياغة جملة عربية واحدة سليمة.. ألا تنحاز هي الأخرى إلى جانب الحب ضد الكراهية, ألا تنتصر جميع القيم الإنسانية في رواياتها من خلال انتصار أبطالها الفرسان, وتمكنهم من الاقتران بمحبوباتهم في النهايات السعيدة..?
فما الذي يعيق هذه الروائية إذن عن الوقوف في مصاف نجيب محفوظ وعبد الرحمن منيف والطيب صالح..?!
كذلك.. وحسب الشروط النقدية السابقة نفسها, فقد استقبلت مسرحية محلية عرضت مؤخراً, بكثير من التصفيق النقدي.. مسرحية لا تحقق الحد الأدنى من شروط المسرح, أو بعبارة أخرى: تحوي كل نقائص وعيوب المسرح الساذج, ومع ذلك فقد تم الاحتفاء بها على نطاق واسع, وذلك ببساطة لأن بطلها موظف عصامي شريف ينطق بعبارات مجلجلة ضد الفساد والرشوة والانتهازية..!!
حسناً ماذا لو كتب أحدنا مقالة بأي لغة وبأي أسلوب ونشرها في أي منبر, على أن يضمنها كل المقولات النبيلة:
حرية المرأة, مناصرة الشعوب المظلومة, تكافؤ الفرص, العدالة الاجتماعية, المساواة, إدانة الامبريالية, تعرية الفساد.. الانتصار للمحبة..
فهل ستكون هذه المقالة تكثيفاً لكل الأدب العظيم في العالم..?!
------------------------------
دعوة إلى الكسل
سلمان عز الديني
أدهشتني الزاوية التي كتبها د. غسان الرفاعي في جريدة تشرين الأحد الماضي حول (الكسل والعصيان الثوري), ليس فقط لانها تعزز عشقي السري لحالة شاملة من الكسل اللذيذ, بل كذلك لأنها تنطوي على اقتراح عملي وجيه. كان أجمل ما في الزاوية هو ما نقله الرفاعي عن الكاتب المسرحي الساخر كارل كراوس الذي قدم لإحدى مسرحياته بالقول:(معظم الأحداث المهمة في العالم تقع قبل تناول الفطور صباحا, وربما يتعين على الرجل العاقل أن يبقى في الفراش حتى الظهر.. وواقع الحال الطغاة والفاشيست وحدهم الذين يستيقظون وينهضون من أسرتهم في أوقات مبكرة..)
يالها من فكرة.. فبالرغم من أننا كشرقيين نملك فائضا من الكسل غير إننا ما نزال بحاجة إليه في شأن واحد, على الأقل: الأدب. فهناك أناس حولنا, يستيقظون في ساعات مبكرة, ليسوا طغاة ولا فاشيست ومع ذلك فهم يقومون بأعمال غير طيبة. انهم يؤلفون الكتب.. الكثير الكثير من الكتب. يكتبون عند الفجر وطيلة النهار ثم ينامون مبكرين ليصحوا في الفجر التالي ويعاودوا الكتابة..
أعرف واحدا منهم جيدا, يملك العدد نفسه لسنوات عمري (ثلاثيني) ولكنه يملك أيضا أكثر من خمس وعشرين كتابا.
لايعرف صديقي هذا الكسل أبدا, ولا يجد وقتا للراحة, لا يستمع إلى نشرات الأخبار ولا إلى الموسيقا,ولا يقرأ ما يكتبه الآخرون.. إنه مشغول.. إنه يكتب.
غير إنني لا أحسده على نشاطه النملي الدؤوب, إذ كيف أثق بما يكتبه رجل لا يجيد الاسترخاء الكسول وتأمل العالم من حوله, ولا يقف بشرود خلف النافذة لينظر إلى الحياة في الخارج, ولا يعطي لنفسه الوقت الكافي من أجل ارتشاف فنجان القهوة الصباحي, أو من أجل قراءة لكتاب ممتع, ولا يملك ذلك الفضول المبارك, ولا تلك الرغبة النبيلة في الفرجة اللامبالية على حيوات الآخرين.. باختصار: كيف أثق بكاتب لا يأخذ الوقت الضروري لإنضاج انطباعاته عن الحياة التي يؤلف الكتب عنها..?1
هل تتذكرون حكاية النملة والصرصور..? عندما يأتي الشتاء ينتصر منطق النملة النشيطة, فيما يخسر الصرصور الكسول ويكاد يأكل قرون استشعاره ندما, لا أعرف من كان أول الذين رأوا ضرورة تغيير هذه النهاية الزائفة, مطالبا بإنصاف الصرصور, على اعتبار انه يملك روح شاعر.. شاعر ينظر إلى الحياة على انها تجربة وجودية ممتعة تستحق التأمل الهادئ, وهبة عظيمة نعيشها ملء ارواحنا , وليست فقط فرصة من أجل جمع الحبوب.
اعتقد, من جهتي, أن النملة لو كانت كاتبة لأصدرت ثلاثين رواية بلا قيمة أو أربعين مجموعة شعرية بلا طعم, أو ربما كانت كاتبة قصص قصيرة جدا على الطريقة المحلية. ولو كان الصرصور كاتبا لأصدر كتابا عظيما واحدا, ربما رواية تشبه (بيدرو بارامو) رائعة خوان رولغو اليتيمة..
---------------------------------------
القتل بالإهمال
سلمان عز الديني
كنت طالباً في كلية الصحافة, عندما رأيته أول مرة, وعلى الفور صار بوجهه المؤرق وعينيه الناريتين وحقيبته المشدودة دوماً على كتفه, تجسيداً حياً لحلمي الوردي في أن أكون صحفياً.
لا أعرف أية رياح قادتني بعد سنوات من ذلك, لأستقر في الجريدة نفسها.. في القسم نفسه, حيث وقفت وجهاً لوجه أمام حلمي الوردي, شاركته آخر أوهامه وآخر معاركه, وصدقت كلماته عن الصحافة الحرة, ضمير المجتمع وصوت الناس, يومها لم يكن قد تحول بعد إلى دون كيشوت أخرق, ولم يكن أعداؤه مجرد طواحين هواء.. أعداؤه كانوا مجسدين وقابلين للمس: الفاسدون وعديمو الموهبة.
وفيما ظل محترقاً بأفكاره النبيلة, ومتشبثاً ببنطال السبعينيات المهترئ وبسيجارة الشرق الرديئة, ومتبختراً ببضع ليرات في جيبه, كان زملاؤه الرماديون قد حققوا نجاحات مذهلة مطبقين الحصار حوله, صاروا مسؤولين متنفذين أو أصدقاء حميمين لمسؤولين متنفذين.
تبخّر حلمه وصدأت روحه ثم انتهى إلى مجرد نكتة عبثية ومطرقة ثقيلة على رؤوس أكثر المتشدقين بالمثل والشعارات وهكذا تواطأ الجميع على نسيانه..
بعد أن غاب ثلاثة أشهر, رأيته واقفاً أمام لوحة الإعلانات في الجريدة. قال لي دون أثر للمزاح: (أبحث عن عقوبة بحقي.. صدقني لم أعد انتظر مكافأة, بل عقوبة.. أي شيء يثبت أنني موجود.. ان أحداً ما, ما زال يسأل عني)...
وفي آخر زيارة إلى بيته حدثته عن مقالاته القديمة الرائعة, فهز رأسه بحماس طفولي مبدياً إعجابه بالرجل الذي كان والذي لم يعد هو بالتأكيد, ثم, وكأنه تذكر أين هو, استدرك قائلاً:( آه.. ولكن ما فائدة كل ذلك..?.. أتدري ما هو أصعب من الموت..? إنه الإهمال...)
أرثيه حياً, فقط لأنني أخاف من نهايته.. أخاف أن يكتمل تحقق حلمي القديم الساذج...
-------------------------------------
الكتاب الأخيار
سلمان عز الديني
ثمة كتاب لا يملكون ما يقولونه لنا , وهذا يجب الا يفاجئكم .
ليس لديهم من الافكار الا الاكثر ابتذالا يعيشون حيوات باردة وفارغة لا يخرجون منها الا بالخبرات الاكثر شيوعا وهكذا يضطرون ¯ اذ يقررون الانخراط في مهنة الكتابة- الى اعادة انتاج السائد والراسخ من المقولات والافكار وغالبا ما يغلف هؤلاء قلة معرفتهم بل وجبنهم بذرائع لا تنتمي الى الادب ولا سيما تلك الذريعة الواهية المسماة: ادب اخلاقي ملتزم حيث تدور الروايات والقصص حول ابطال طيبين مستقيمين يرددون عبر صفحات طويلة من الثرثرة شعارات مستهلكة ومواعظ عتيقة .لا مكان هنا لنفوس معقدة وارواح مضطربة وعقول متشككة , الابطال ومنذ الصفحات الاولى حاسمون يدركون تماما اية اهداف نبيلة خلقوا من اجلها يسيرون في خط مستقيم الى نهايات ان لم تكن سعيدة فهي بالتأكيد مشرفة ومجيدة اما الاشرار فهم مجرد ظلال قاتمة على الهوامش يفيدون في شيئ واحد فقط:
ان يكونوا ادوات توضيحية للدروس الاخلاقية التي يلقننا اياها مربونا الفاضلون.
هؤلاء الكتاب لا يغامرون بالذهاب ا لى اماكن بعيدة ولا يرتادون اراضي مجهولة, يدينون الرذيلة بان لا يقربوها في كتاباتهم على الاطلاق ولذلك فهم يصلون الى نتائج مضمونة ولكنها بالطبع بلا قيمة لاننا ببساطة نستطيع الحصول عليها من اوراق الروزنامات ..
الاخلاق في الادب غير الاخلاق في الحياة ,في الادب تكون الاخلاق الحميدة ما دة غيرخلاقة, ارض جدباء لا تثمر سوى افكار منمطة وشخصيات معلبة, باختصار : اعمال مبسترة بلا طعم ولا رائحة ولذلك تخرج روايات وقصص كتابنا الاخلاقيين والذين لا زالوا يخلطون بين الادب كمفهوم ابداعي والادب بالمعنى الشعبي اي اللباقة والتهذيب .. تخرج هذه الاعمال على هذا الشكل من الضجر والفراغ.
ستقولون ان هذه مسألة قديمة حسمت منذ ايام المنفلوطي. حسنا اذاً ا قرؤوا نتاجات الرعيل الجديد من كتاب الاخلاق الحميدة والذي يرعاه اتحاد الكتاب بكل فخر واعتزاز ..
------------------------------
مأساة العظم
سلمان عز الديني
لم يكن حصول المفكر صادق جلال العظم على جائزة ايراسموس الهولندية أمراً مفاجئاً, ولاسيما أن عنوان الجائزة لهذا العام كان (الدين والعصرية) الشيء الذي يجعل العظم في صدارة المستحقين.
( استعذب العظم الاقامة في دائرة اللاهوت,حيث يتابع هناك معاركه الدونكيشوتية..) هكذا قال أحد منتقديه, ولكن هذا التوصيف الساخر ينطوي على اطراء خفي غير مقصود:
ففي الوقت الذي فترت فيه همة اليسار, واختنقت أصوات العلمانيين وشحبت شعارات الحداثة والعصرنة, ظل العظم المنافح الاكثر شراسة وجذرية, عن العلمانية والديمقراطية والتحديث, متحديا بذلك حراس التابوهات الراسخة,وسدنة الموروث المقدس.
منذ وقت مبكر من حياته, جابه المفكر الدمشقي العنيد العقل المتكىء على الخرافات والغيبيات,والذي لايزال يجتر الثمار الفاسدة لعصور الانحطاط, وإذ حفر عميقا في الذهنية المستقرة فقد كان طبيعيا ان يصطدم بالتنانين المرصودة لحماية الارث المخبوء.
واذا كان العظم قد خسر ( الاغلبية) عام ,1969اثر كتابه الشهير (نقد الفكر الديني), فإنه ,وبعد عشرين عاماً من ذلك, سيخسر كثيرا من دائرة النخبة ايضا .هؤلاء-وبينهم اصدقاؤه-رأوا في كتابه (ذهنية التحريم) ضربا من التطرف, بل الشطط غير المبرر, غير أن هذا تماما هو مايشكل صلب المشروع الفكري للعظم:
الدخول الى اكثر المناطق حساسية, بعقل بارد, ومنطق صارم.. بلا مسبقات ولا افكار جاهزة ولامقيدات من اي نوع.. وهذا بالطبع مالا تستسيغه ثقافتنا المكبلة بالثوابت والرواسخ والنتائج المحسومة سلفاً.
ربما نستطيع تغيير اشياء كثيرة,واعادة النظر بأشياء كثيرة ,وربما نكون صادقين في نوايانا التحديثية التطويرية, ولكن تلك الدائرة الخطرة التي يتمترس العظم فيها (ليشن معاركه الدونكيشوتية) ستبقى للأسف, محصنة ضد التغيير, الشيء الذي سيؤخر - على الارجح - تكريمه محليا الى أجل غير مسمى.. وهكذا فحسناً فعلت (ايراسموس) إذ كرمته نيابة عنا...!
-------------------------------------------
تعويذة ضد الخوف
سلمان عز الديني
قبل نصف قرن تقريباً وفي صباح وصل فيه الشتاء إلى أوج هذياناته, غادر الفتى مدحت المصطفى بيته في رحلة جنونية إلى المدرسة التي تبعد عشرة كيلو مترات.
لم يتردد أمام مياه النهر الطوفانية بل سارع إلى اعتلاء الجسر الخشبي والذي ما إن وصل إلى منتصفه حتى راح يتداعى خشبة خشبة.
في هذه اللحظة التي لن ينساها أبداً كان يقف عند نقطة هي منتصف الطريق بين عالمين, وإذ استجمع شجاعته وأحلامه فقد كانت المعجزة في انتظاره لتوصله إلى الضفة الأخرى, هناك حيث سيصبح ممدوح عدوان.
ظل عدوان يذكر تلك الواقعة على أنها ولادته الحقيقية, وذلك الجسر على أنه برزخ بين حياتين: الحياة التي وجد فيها بالقوة, والحياة التي أرادها وعاشها بالفعل.
وبلا شك فإنه لم يحس بالندم لأنه قطع ذلك الجسر الخطر, فعلى الضفة الأخرى كان المجد بانتظاره: صحفي, شاعر, روائي, مؤلف مسرحي, مترجم, كاتب تلفزيوني, وبحصيلة وافرة من الكتب والألقاب والصداقات والمعجبين, وذلك الحضور النجومي الذي يكاد يكون استثنائياً في الثقافة السورية.
بالعناد نفسه لذلك الفتى, خاض عدوان جميع معاركه الثقافية والتي جلبت له الكثير من الأعداء والكثير من المهابة والاحترام, وجعلته واحداً من ألمع المثقفين السوريين وأكثرهم مصداقية.
لم يكن موته مفاجئاً ومع ذلك فقد كان مؤثراً للغاية, ربما لأنه ظهر في أيامه الأخيرة متشبثاً بالحياة, وواثقا ً من انتصاره على مرضه الخبيث الشيء الذي أوحى لمحبيه بأنه يمتلك تعويذة ما ضد الموت.
غير أن هذا الرحيل المؤلم لا يشكل هزيمة بأي حال فقد جسد عدوان فعلياً ما قاله نيكوس كازنتزاكي ذات يوم: (أنت لا تستطيع أن تقهر الموت, ولكنك تستطيع أن تقهر خوفك منه) .يشهد الكثيرون أن الشاعر الراحل قد قهر الخوف من الموت إذ ظل يقهقه في وجهه حتى اللحظة الأخيرة.
----------------------------------





ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق